محمد أمين الإمامي الخوئي
1269
مرآة الشرق ( موسوعة أعلام الشيعة الإمامية في القرني الثالث عشر والرابع عشر )
فمات - رحمه اللَّه - ولم يغرس شجراً ولمم يضع في مواضع منها لبنة ولاحجراً ولم يملك من ترابها قبضة ولا من أحمرها وأبيضها مثقال ذرّة ولامن حطامها حبّة . بل أعقب - رحمه اللَّه - بنتين لم تتمكنا من القيام بمصارف إقامة مجلس الترحيم له ، فقام لاقامته بعض المؤمنين من شيعته ستة أيام بليالها يطعم في كلّ يوم وليلة منها مآة من الناس بطبقاتهم . وكان - رحمه اللَّه - يتعفف من التصرف في بيت المال لنفسه وعياله - وهو فقير ويستحق التصرف منه شرعاً - لزهده وعلو همته وكان يصرفه في المشتغلين والفقراء وكان جلّ المحصلين والأرامل والأيتام في قطر العراق في عيلولته . ورأيتُ بخط بعض الثقاة من تلاميذه أنّ ثمان مئة بيت من العراق كان ثبتته في ديوانه يرسل إليهم مؤنتهم فضلًا عن المحصلين والموارد المتفرقة والاتقاقيّة ونحوها . ولمّاجاء مأمور تفتيش الأسلحة من الحكومة العثمانيّة إلى النجف في عهد المترجم ودخل عن المترجم بيته دخل على سرداب من داره ورأى في زاوية منه قسمة من النقود المسكوكة على وجه الثرى مطروحة وعليه قطعة من البواري ، فكأنّه رماد ألقي في زاوية من البيت وهو على ما عليه من الزهد وكدورة العيش في مأكله وملبسه ومسكنه وممشاه ، فأخذه العجب وقال لبعض من عنده إذا اخرج من الدار : ما كنتُ أحسب أن يكون في الدنيا رجل زاهد مثل هذا الشيخ بعد سيدنا عمر واللَّه انّه لشيء عجيب وهو ثالث العمرين حقاً . وكان في مسافرته إلى إيران توفف المترجم في طهران أياماً في بعض المدارس منها فتشرّف يوماً مع بعض رفقائه إلى زيارة تربة حضرة السيد عبد العظيم الحسني - سلام اللَّه عليه - حتّى جاء الظهر وحضر المترجم للغداء مع رفيقه المذكور ، فرأى أنّه تهيأ خبزاً وجبناً وحلواء . فقال المترجم لرفيقه : ومن أين ذلك وما كان ما عندنا من الفلس يكفي بجميع ذلك . فأجابه بأنّ الحلواء أخذه نسية من رجل كان بينهما وداد وألفة ، ليردّه اليه في طهران . فاغتاظ المترجم متعجباً من أمره وقال : إذا لم يكن عندنا محل معين لأداء الدين فكيف ينبغي للرجل أن يستدين على تلك الحال ويتغدى به . فلم يتناول من الحلواء شيئاً ، بل اقتنع على الخبز والجبن فقط وكان يلتقط من الخبز ما يتطلّي بالحلواء ويلفظه .